محمد بن جرير الطبري
350
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
العتيقة ، واما عنبرها فمن عنبر بحر عدن ، واما بأنها فمن فلان المدني المعروف بجوده عمله ، واما مركبها فانسان بالبصرة عالم بتأليفها ، حاذق بتركيبها ، فان رأى أمير المؤمنين ان يمن على بقبولها فعل ، فقال الرشيد لخاقان الخادم وهو على رأسه : يا خاقان ، ادخل هذه الغالية ، فأدخلها خاقان ، فإذا هي في برنيه عظيمه من فضه ، وفيها ملعقه ، فكشف عنها وابن أبي مريم حاضر ، فقال : يا أمير المؤمنين ، هبها لي ، قال : خذها إليك فاغتاظ العباس ، وطار أسفا ، وقال : ويلك ! عمدت إلى شيء منعته نفسي ، وآثرت به سيدي فأخذته ! فقال : أمه فاعله ان دهن بها الا استه ! قال : فضحك الرشيد ، ثم وثب ابن أبي مريم ، فالقى طرف قميصه على رأسه ، وادخل يده في البرنية ، فجعل يخرج منها ما حملت يده ، فيضعه في استه مره وفي ارفاغه ومغابنه أخرى ، ثم سود بها وجهه ورأسه وأطرافه ، حتى اتى على جميع جوارحه ، وقال لخاقان : ادخل إلى غلامي ، فقال الرشيد وما يعقل مما هو فيه من الضحك ، ادع غلامه ، فدعاه ، فقال له : اذهب بهذه الباقية ، إلى فلانة ، امرأته ، فقل لها : ادهنى بهذا حرك إلى أن انصرف فانيكك فأخذها الغلام ومضى ، والرشيد يضحك ، فذهب به الضحك ثم اقبل على العباس فقال : والله أنت شيخ أحمق ، تجيء إلى خليفه الله فتمدح عنده غاليه ! ا ما تعلم أن كل شيء تمطر السماء وكل شيء تخرج الأرض له ، وكل شيء هو في الدنيا فملك يده ، وتحت خاتمه وفي قبضته ! وأعجب من هذا انه قيل لملك الموت : انظر كل شيء يقول لك هذا فانفذه ، فمثل هذا تمدح عنده الغالية ، ويخطب في ذكرها ، كأنه بقال أو عطار أو تمار ! قال : فضحك الرشيد حتى كاد ينقطع نفسه ، ووصل ابن أبي مريم في ذلك اليوم بمائه ألف درهم . وذكر عن زيد بن علي بن حسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي ابن أبي طالب ، قال : أراد الرشيد ان يشرب الدواء يوما ، فقال له ابن أبي مريم : هل لك ان تجعلني حاجبك غدا عند أخذك الدواء ، وكل شيء